ابن أبي الحديد
224
شرح نهج البلاغة
كالقبلة المنصوبة في الشهرة ، وكالسنن المحفوظة في الكثرة ، لم يصل إلينا منها في دهرنا حرف واحد ، إذا كان الامر كما وصفناه . قال فاما ما احتج به الجاحظ بامامة أبى بكر ، بكونه أول الناس اسلاما ، فلو كان هذا احتجاجا صحيحا ، لاحتج به أبو بكر يوم السقيفة ، وما رأيناه صنع ذلك لأنه اخذ بيد عمر ويد أبى عبيده بن الجراح ، وقال للناس قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا منهما من شئتم ، ولو كان هذا احتجاجا صحيحا لما قال عمر كانت بيعه أبى بكر فلتة وقى الله شرها ، ولو كان احتجاجا صحيحا لادعى واحد من الناس لأبي بكر الإمامة في عصره أو بعد عصره ، بكونه سبق إلى الاسلام ، وما عرفنا أحدا ادعى له ذلك ، على أن جمهور المحدثين لم يذكروا أن أبا بكر أسلم الا بعد عدة من الرجال ، منهم على ابن أبي طالب ، وجعفر أخوه ، وزيد بن حارثة ، وأبو ذر الغفاري ، وعمرو بن عنبسة السلمي ، وخالد بن سعيد بن العاص ، وخباب بن الأرت ، وإذا تأملنا الروايات الصحيحة ، والأسانيد القوية والوثيقة ، وجدناها كلها ناطقة بان عليا عليه السلام أول من أسلم . فاما الرواية عن ابن عباس أن أبا بكر أولهم اسلاما فقد روى عن ابن عباس خلاف ذلك ، بأكثر مما رووا وأشهر ، فمن ذلك ما رواه يحيى بن حماد ، عن أبي عوانه وسعيد ابن عيسى ، عن أبي داود الطيالسي ، عن عمرو بن ميمون ، عن ابن عباس ، أنه قال أول من صلى من الرجال علي عليه السلام . وروى الحسن البصري ، قال حدثنا عيسى بن راشد ، عن أبي بصير عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال فرض الله تعالى الاستغفار لعلى عليه السلام في القرآن